العلامة المجلسي
5
بحار الأنوار
وقال أيضا في قوله سبحانه " فيتعلمون " : أي فيتعلم الناس من الملكين ما يفرقون به بين المرء وزوجه ، إما لأنه إذا اعتقد أن السحر حق كفر فبانت منه امرأته ، وإما لأنه يفرق بينهما بالتمويه والاحتيال ، كالنفث في العقد ونحو ذلك مما يحدث الله عنده الفرك والنشوز ابتلاء منه ، لأن السحر له أثر في نفسه بدليل قوله " وما هم بضارين به من أحد إلا بإذن الله " أي بإرادته وقدرته ، لأنه إن شاء أحدث عند ذلك شيئا من أفعاله ، وإن شاء لم يحدث . وكان الذي يتعلمون منهما لم يكن مقصورا على هذه الصورة ، ولكن سكون المرء وركونه إلى زوجه لما كان أشد خصت بالذكر ليدل بذلك على أن سائر الصور بتأثير السحر فيها أولى - انتهى - . وقد مر من تفسير الإمام عليه السلام " فيتعلمون " يعني طالبي السحر " منهما " يعني مما كتبت الشياطين على ملك سليمان من النيرنجات ، ومما انزل على الملكين ببابل هاروت وماروت ، يتعلمون من هذين الصنفين " ما يفرقون به بين المرء وزوجه " هذا من يتعلم للإضرار بالناس ، يتعلمون التضريب بضروب الحيل والنمائم والايهام أنه قد دفن في موضع كذا وعمل كذا ليحبب المرأة إلى الرجل ، والرجل إلى المرأة ، أو يؤدي إلى الفراق بينهما . " وما هم بضارين به " أي ما المتعلمون لذلك بضارين به " من أحد إلا بإذن الله " يعني بتخلية الله وعلمه ، فإنه لو شاء لمنعهم بالجبر والقهر . وقال الطبرسي - رحمه الله - في قوله تعالى " فلما ألقوا " أي فلما ألقى السحرة ما عندهم من السحر احتالوا في تحريك العصي والحبال بما جعلوا فيها من الزئبق ، حتى تحركت بحرارة الشمس وغير ذلك من الحيل وأنواع التمويه والتلبيس ، وخيل إلى الناس أنها تتحرك على ما تتحرك الحية . وإنما سحروا أعين الناس لأنهم أروهم شيئا لم يعرفوا حقيقته ، وخفي ذلك عليهم لبعده منهم ، لأنهم لم يخلوا الناس يدخلون فيما بينهم . وفي هذا دلالة على أن السحر لا حقيقة له ، لأنه لو صارت حياة حقيقة لم يقل الله سبحانه " سحروا أعين الناس " بل كان يقول " فلما ألقوا صارت حياة " - انتهى - ( 1 ) .
--> ( 1 ) مجمع البيان : ج 4 ، ص 461 .